الطبراني
409
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ؛ أي ولقد أنزلنا بني إسرائيل في موضع خصب وأمن ، وهي أرض مصر ما بين أردن وفلسطين ، ويقال : هي الأرض المقدّسة التي ورثوها من أبيهم إبراهيم عليه السّلام ، وسمّاها منزل صدق ؛ لأن فضلها على سائر المنازل كفضل الصّدق على الكذب . وقيل : هم بنو قريظة والنضير أنزلناهم مبوّأ صدق بين المدينة والشّام من أرض يثرب ، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ؛ أي من النّخل وما فيها من الرّطب والتمر . قوله : فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ ؛ معناه أنّهم لم يزالوا مؤمنين بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل لم يختلفوا في ذلك ، بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم . ومعنى الآية : ما اختلفوا في تصديق النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وإنه نبيّ حتى جاءهم العلم ، قال ابن عبّاس : ( يريد القرآن الّذي جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، وقال الفرّاء : ( العلم محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ) « 1 » لأنّه كان معلوما عندهم بنعته ، وذلك أن لمّا جاءهم اختلفوا فيه وفي تصديقه فكفر به أكثرهم ) . قوله : إِنَّ رَبَّكَ ؛ يا محمّد ، يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، بتمييز المحقّ من المبطل ، ويجازي كلّا منهم بما يستحقّه ، فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 93 ) فيدخل المصدّقين بك الجنة ، ويدخل المكذّبين النار . قوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ؛ قال أكثر أهل العلم : هذا خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد به غيره من الشّكّاك ، ومثل ذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ « 2 » الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد به غيره بدليل قوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً « 3 » ، ولم يقل بما تعمل ، قال الزجّاج : ( إنّ اللّه يخاطب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك
--> ( 1 ) في معاني القرآن : ج 1 ص 478 ؛ قال الفراء : ( و الْعِلْمُ يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وصفته ) . ( 2 ) الأحزاب / 1 . ( 3 ) النساء / 94 .